الحديث الشريف - الحديث - الحديث النبوي و ما يرشد إليه - ما يرشد إليه
رقم الفتوى 10752
نص السؤال مختصر

ماثبت في فضائل شهر رجب ؟

نص السؤال الكامل
الجواب مختصر
الجواب الكامل

بسم الله ،والحمدلله، والصّلاة والسّلام على رسول الله ،أمّا بعدُ :

أوّلاً. (شهر رجب الحرام، ما ثبت من فضائله،وبعض ما لم يثبت)

يكثر الأخذ والرّد بين النّاس في كلّ عامٍ ، ونحن على أبواب شهر رجب: هل لشهر رجب مزيّة ؟ أم هو شهرٌ لا فضائل له ؟ فترى النّاس فيه بين إفراطٍ وتفريطٍ ، فمن منكر أو مجرد لشهر رجب عن أيّ فضيلة ، ومِن مُدَّعٍ لرجب فضائل مكذوبة، ومِن تتبعي للنّصوص الشّرعيّة، وكلام الأئمّة فيها أقول:

أوّلاً. ما يثبت في شهر رجب:

أ. هو شهر من الأشهر الحرم، وهي شهور سِلم وأمن فلا يجوز إشعال فتيل حرب فيها، وإذا كانت حرب فيجب أن تتوقّف،

قال تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) 

ب. ينبغي على المسلم أن يتجنّب فيه المعصية: 

يعدُّ شهر رجب من الأشهر الحرم، وقد قال الله تعالى عنها في سورة التوبة:

{إن عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية:

"{فلا تظلموا فيهن أنفسكم}: أي في هذه الأشهر المحرّمة ؛ لأنّها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أنّ المعاصي في البلد الحرام تضاعف، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام.

عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال في قوله:

{فلا تظلموا فيهن أنفسكم}: في كلهنَّ، ثمّ اختصّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهنَّ حراماً، وعظم حرماتهن، وجعل الذّنب فيهن أعظم والعمل الصّالح أعظم. 

وقال قتادة:

إنّ الظّلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً و وزراً من الظّلم في سواها، وإن كان الظّلم على كل حال عظيماً ولكنَّ الله يعظم من أمره ما يشاء" انتهى.

فشهر رجب كالمقدّمة لرمضان هو شهر تخلية وبُعْدٍ عن المعاصي والآثام، وكلّ إنسان له معصية في جانب ما، فعليه أن يجاهد نفسه لاستئصالها، فإذا جاء شهر شعبان فهو شهر تحلية وعبادة.

ج. هو شهر تشرع فيه العبادة لأنّه من الحُرم دون تحديدٍ شرعيٍّ لنوع معيّن، فقد أخرج النّسائي [2357] عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: (قلتُ: يا رسول الله، لم أرَكَ تصوم  شهرًا من الشهور ما تصومُ من شعبان؟ قال: ذاك شهر يَغْفُلُ الناسُ عنه بين رجب ورمضانَ)، فدلّ أنّ النّاس تعبد ربها وتجتهد في العبادة في رمضان وفي رجب، وقد جاء في صحيح مسلم [1157]: عن عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِى رَجَبٍ، فَقَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم يصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ.

 فهذا نصّ أنّ رجب كغيره في أداء العبادات كالصّوم، فإن فعلت فيه طاعة فلا تنسبها للشّرع ولك أن تفعلها تقرّباً إلى الله تعالى في شهر حرام.

ثانيًا. ما لا يصحّ في رجب:

ألّف الحافظ ابن حجر العسقلاني [ت:852هـ] رحمه الله تعالى كتابًا سمّاه (تبيين العجب بما ورد في فضل رجب) قال فيه:

"لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معيّن، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجّة"، ثمّ أورد بعض الأحاديث الّتي لا تصحّ، فمنها:

- "إن في الجنة نهرًا يقال له رجب: ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل: من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر" ضعيف.

- "خيرة الله من الشهور شهر رجب، وهو شهر الله، من عظم شهر رجب فقد عظم أمر الله أدخله جنات النعيم، وأوجب له رضوانه الأكبر، وشعبان شهري، فمن عظم شهر شعبان فقد عظم أمري، ومن عظم أمري كنت له فرطا وذخرا يوم القيامة، وشهر رمضان شهر أمتي، فمن عظم شهر رمضان، وعظم حرمته، ولم ينتهكه، وصام نهاره، وقام ليله، وحفظ جوارحه، خرج من رمضان وليس عليه ذنب يطالبه الله تعالى به" موضوع.

- "من صلى المغرب من أول ليلة من رجب، ثم صلى بعدها عشرين ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد مرة، ويسلم فيهن عشر تسليمات، أتدرون ما ثوابه؟ فإن الروح الأمين جبريل علمني ذلك، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: حفظه الله في نفسه وأهله وماله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق بغير حساب ولا عذاب" موضوع.

- صلاة الرغائب في شهر رجب: موضوعة.

وأورد أحاديث ضعيفة، وضعيفة جدًا وموضوعة، فهل يعمل بالضّعيف؟ قال ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه المذكور:

"اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف، ما لم تكن موضوعة، وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفاً، وأن لا يشهر بذلك، لئلا يراه بعض الجهّال فيظنّ أنّه سنّة صحيحة، وقد صرّح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمّد بن عبد السلام وغيره".

يقصد رحمه الله تعالى أنّ النّاس من العامّة لا تميّز بين الصّحيح والضّعيف ونحن تعبّدنا الله تعالى بالثّابت عن النّبي الكريم ، أمّا الضّعيف فجوّز الأئمة العمل به احتياطاً، وعليه فينبغي تنبيه السّامع أنّ الحديث ضعيف، فلعله لا يريد الاحتياط، وينبغي لمن عمل بالضعيف أن لا يشهره ويظهره حتى لا يظنّ النّاس أنّ الحديث صحيح.

فنسأل الله تعالى أن يعيننا في هذا الشهر على أنفسنا فنجاهدها حقّ المجاهدة، وأن يكرمنا بتعظيم شهره الحرام، وأن يجعلنا من المقبولين عنده، ورحم الله تعالى سلفنا الصّالح إذ يقولون:

•  شهر رجب شهر الزّرع، وشهر شعبان شهر السّقي للزّرع، وشهر رمضان حصاد الزّرع.

•  وقيل: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر.

• وقيل: السّنّة مثل الشّجرة وشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها. 

والخلاصة: 

التّقوى ثمرة رمضان، والجهد والعمل من أجلها يبدأ من رجب الحرّام.

والله تعالى أعلم 

تاريخ النشر بالميلادي 2019/03/07

المفتي


د. بسام عبد الكريم الحمزاوي

د. بسام عبد الكريم الحمزاوي

السيرة الذاتية
المحتوى الخاص به