العقيدة الإسلامية - العقيدة - الإيمان و التوحيد - شبهات
رقم الفتوى 12256
نص السؤال مختصر

علّمونا في كلية الشريعة {أنّ الصحابة كلهم عدول، ومستحيل أن يكذب واحد منهم على النبي}! لكنّ القرآن يقول عكس هذا:
{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} [النساء : 81]
أي غيروا كلام النبي وكذبوا عليه. ويقول تعالى :{وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة : 101]، ما الذي يمنع عقلياً ومنطقياً أن يكون هناك منافقون مستخفون بثوب الصحابة كذبوا على النبي، والنبي نفسه لا يعلم أنهم منافقون، ونقلوا لنا كلاماً وأحاديث عن النبي ليشوهوا صورته ؟!

نص السؤال الكامل
الجواب مختصر

بسم الله، والحمدلله ،والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعدُ :

هذه من الشبهات التي يثيرها بعض الشيعة الروافض للوصول إلى الطعن في عدالة الصحابة ، وقد أجاب عنها العلماء في القديم والحديث :

1- في البداية يمكن الإجابة بجواب مختصر وهو :
إن الذين نقلوا القرآن الكريم من الصحابة الكرام هم أنفسهم الذين نقلوا لنا الأحاديث النبوية فالتشكيك في عدالتهم في نقل السنة النبوية تشكيك في نقل القرآن الكريم .

2- لأجل أخذ صورة متكاملة عن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بالمنافقين ينبغي ألا يقتصر الاستدلال فيه على الآية في سورة التوبة وهي قوله تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ )
بل لابد أن يقترن معها كذلك الآية الأخرى في سورة محمد/30 وهي قوله :

( وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ )
فقد كشف الله لنبيه علامات وصفات المنافقين في سيماهم ولحن أقوالهم ، حتى ولو لم يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين بأسمائهم في بداية الأمر .

ولكن بعد ذلك أطلع الله نبيه على المنافقين بأعيانهم وأسمائهم، وأخبر صلى الله عليه وسلم بذلك حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وأطلع الله نبيه على بعضهم الآخر بصفاتهم .

ومما ورد في معرفة بعض المنافقين ما رواه البيهقي في "دلائل النبوة عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر في خطبته ما شاء الله عز وجل، ثم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَافِقِينَ، فَمَنْ سَمَّيْتُ فَلْيَقُمْ، قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ»، حَتَّى عَدَّ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ فِيكُمْ -أَوْ إِنَّ مِنْكُمْ- فَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ». قال: فمَرَّ عمر برجل متقنع قد كان بينه وبينه معرفة، فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: بُعداً لك سائر اليوم.

3- بعد أن قويت شوكة الإسلام وخاصة بعد فتح مكة المكرمة أصبح المنافقون مكشوفين مفضوحين ، والدليل على ذلك ما جاء في حديث توبة كعب بن مالك رضي الله عنه وكانت بعد غزوة تبوك بعد فتح مكة المكرمة قال :

"فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصاً عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاء" أخرجه البخاري ومسلم. وقوله: مغموصاً : أي محتقراً مطعوناً في دينه أو متهماً بنفاق .

وبهذا يتضح أنهم قد كانوا مشاراً إليهم بأعيانهم ، قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
والمقصود أن المنافقين كانوا قلة، معروفين بأعيانهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولحذيفة من بعده، أو معروفين بأوصافهم، فلو روى واحد منهم حديثا لفضحه حذيفة، وقد صان الله حديث نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلم يُرو حديث عن رجل ملموز بالنفاق.

4- ليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب أو الخطأ ، أو أنهم يقعون في الوهم والنسيان ، فقد يقع الوهم من بعضهم في نقل شيء نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ، ويبين هذا الوهم ويكشفه علماء الأمة والمحدثون والحفاظ من خلال نقل التحقيق والصواب عن بقية الصحابة الكرام رضي الله عنهم .

ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال المرداوي في "التحبير شرح التحرير"
:" لَيْسَ المُرَاد بكونهم عُدُولاً الْعِصْمَة لَهُم ، واستحالة الْمعْصِيَة عَلَيْهِم ، إِنَّمَا المُرَاد أَلَّا نتكلف الْبَحْث عَن عدالتهم ، وَلَا طلب التَّزْكِيَة فيهم "

5- وقد أجمع العلماء على عدالتهم ونقل هذا الإجماع كبار علماء الأمة من ذلك :
قال العلامة الحافظ المحدث ابن الصلاح في "علوم الحديث" :

" إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة.

ومن لابس الفتن منهم : فكذلك ؛ بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع ، إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر ، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة " .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الإصابة في تمييز الصحابة" :
"اتفق أهل السنة على أن الجميع – أي الصحابة- عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة" .

والله تعالى أعلم 

الجواب الكامل
تاريخ النشر بالميلادي 2020/01/02

المفتي


د. خلدون عبد العزيز مخلوطة

د. خلدون عبد العزيز مخلوطة

السيرة الذاتية
المحتوى الخاص به