الفقه الإسلامي - القرآن الكريم - علوم القرآن و أحكام المصاحف - علوم القرآن
رقم الفتوى 11976
نص السؤال مختصر

يقول تعالى :{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب : 72]
متى حدث ذلك ؟ وما هي الأمانة ؟ نحن لا نذكر أننا قبلنا حمل هذه الأمانة ؟

نص السؤال الكامل
الجواب مختصر
الجواب الكامل

بسم الله، والحمدلله ،والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعدُ :

هذه الآية مما أشكل على المفسرين فاختلفوا فيها اختلافاً شديداً، حتى قال العلامة ابن عاشور في (التحرير والتنوير):
"عدت هذه الآية من مشكلات القرآن، وتردد المفسرون في تأويلها تردداً دل على الحيرة في تقويم معناها. ومرجع ذلك إلى تقويم معنى العرض على السموات والأرض والجبال، وإلى معرفة معنى الأمانة، ومعرفة معنى الإباء والإشفاق"
1- السؤال الأول :
متى حدث ذلك العرض ؟
الجواب :
قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسيره "التنوير والتحرير " :
(إن هذا العرض كان في مبدأ تكوين العالم ونوع الإنسان؛ لأنه لما ذكرت فيه السموات والأرض والجبال مع الإنسان، علم أن المراد بالإنسان نوعه؛ لأنه لو أريد بعض أفراده ولو في أول النشأة لما كان في تحمل ذلك الفرد الأمانة ارتباط بتعذيب المنافقين والمشركين، ولما كان في تحمل بعض أفراده دون بعض الأمانة حكمة مناسبة لتصرفات الله تعالى.

فتعريف الإنسان تعريف الجنس، أي نوع الإنسان ) .
2- السؤال الثاني :
ما هي الأمانة ؟
هناك أقوال متعددة للمفسرين في بيان معنى الأمانة المذكورة في هذه الآية منها :
أ- الطاعات والتكاليف الشرعية
ب- العقائد
ج- الأمانات المالية والودائع ، وهي ضد الخيانة
د- العقل
هـ - خلافة الإنسان في الأرض.
قال العلامة ابن كثير رحمه الله :
" وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها ، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف ، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها ، وهو أنه إن قام بذلك أثيب ، وإن تركها عُوقِبَ ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه ، إلا مَنْ وفق اللَّهُ " .
وقال الإمام الطبري رحمه الله :
" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله : (عَرَضْنَا الأمَانَةَ) بعض معاني الأمانات لما وصفنا" .
3- السؤال الثالث :
( نحن لا نذكر أننا قبلنا حمل هذه الأمانة ) ؟
الجواب :
اختلف المفسرون هل هذا العرض حقيقي أو مجازي ؟
الجواب :
قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره:
( قال العلماء: معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا بد من تقدير الحياة على القول الأخير. وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام.


والعرض على الإنسان إلزام. وقال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي أن السموات والأرض على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كُلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل.


وهذا كقوله: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) [الحشر: 21]- ثم قال: (وتلك الأمثال نضربها للناس) [الحشر: 21].

قال القفال: فإذا تقرر في أنه تعالى يضرب الأمثال، وورد علينا من الخبر ما لا يخرّج إلا على ضرب المثل، وجب حمله عليه.


وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فعبر عن هذا المعنى بقوله: (إنا عرضنا الأمانة) الآية. وهذا كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل، فرأيت أنها تقصر عنه )
وقد نحا العلامة ابن عاشور هذا المنحى في تفسير الآية وحملها على مدلول الاستعارة التمثيلية .

والله تعالى أعلم 

تاريخ النشر بالميلادي 2019/11/07

المفتي


د. خلدون عبد العزيز مخلوطة

د. خلدون عبد العزيز مخلوطة

السيرة الذاتية
المحتوى الخاص به