الفقه الإسلامي - العبادات و ما يلحق بها - الزكاة - زكاة المال والفطر
رقم الفتوى 11923
نص السؤال مختصر

ما هو نصاب الزكاة في الحبوب والبذور والزورع والمأكولات البحرية ؟ 

نص السؤال الكامل

 ما هو نصاب الزكاة في الحبوب ، وهل تجب الزكاة في الأنبج والكاجو وجوزة الهند والسُّولاباي والفلفل الأسود وحَبّ الهال والقرنفل  والقرفة ونحوها مما يوجد لها زروع وحدائق عظيمة وتُباع بالأسعار الغالية ؟ وهل تجب في المأكولات البحرية بعدِّها من القوت ، لأن الفوائد الحاصلة منها تبلغ عشرات الملايين .

الجواب مختصر
الجواب الكامل

بسم الله، والحمدلله ،والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعدُ :

حدد الإمام الشافعي في المذهب الجديد وتابعه الأصحاب في المذهب أموال الزروع والثمار، والنصاب فيها ، التزاماً بما ورد حصراً في السنة النبوية ، وقالوا : تجب الزكاة  في الثمار في النخل والعنب ، لأنها تعظم منفعتها ، وهي من الأقوات الأساسية ، والأموال المدخرة المقتاتة التي تغذى بها الأجسام على الدوام ، وهي كالأنعام ، ثم قالوا : تجب الزكاة في القوت المدخر من الثمار فقط ، وبالتالي فلا تجب الزكاة في المذهب الشافعي في غير ذلك ، لأنها ليست من الأقوات ، ولا من الأموال المدخرة المقتاتة ، وإن الأصل عدم وجوب الزكاة  في مال حتى يثبت الدليل ، ولم يرد دليل إلآ في النخل والعنب .

وأما الزروع فتجب الزكاة في بعض الحبوب فقط ، وهي : الحنطة( القمح ) والشعير ، والأرز ، والعدس ، والحمص ، واللوبيا ، والجُلبان ، والفول والذرة ، وسائر المقتات اختياراً ، لحديث أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما عندما بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم ، وقال لهما : " لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة : الشعير ، والحنطة ، والزبيب ، والتمر " رواه الحاكم وصحح إسناده ووافقه الذهبي  1 / 401 ، ولما روى معاذ رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ... العشر ....أو نصف العشر ، يكون ذلك في الثمر والحنطة والحبوب ، فأما القثاء ، والبطيخ ، والرمان ، والقَضب ، والخضروات ، فعفو " عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رواه البيهقي 4 / 129 ، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1 / 401 ، والدارقطني 2 / 96 ، ولأن هذه النباتات لا تقتات في حالة الاختيار .

أما نصاب الزروع والثمار عند الشافعية والمالكية والحنابلة فهو خمسة أوسق كيلاً بعد تصفية الحبوب من التبن وغيره ، فالاعتبار بوقت الادخار لها ، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة " رواه البخاري 2 / 509 رقم 1340 ، ومسلم 7 / 52 رقم 979 ، وأبو داود 1 / 357 ، وفي رواية لمسلم : " ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ، ولا حب صدقة " وفي رواية ثالثة لمسلم : " ليس في حب ، ولا ثمر ( بالثاء المثلثة ) صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق " رواهما مسلم 7 / 52 رقم 979 ، وهاتان الروايتان أشمل ، لأنهما تشملان التمر والزبيب  والثمار ، والوسق من المكاييل ، يساوي اليوم تسعمئة ليتر ، أو 720 أو 653 أو 623 كغ وزناً ، مع زيادة تفصيل في حساب وتقدير النصاب .

هذا هو المذهب الشافعي ، والمعتمد فيه ، والمقرر فيما سبق ، ولكن يجب تعديل هذه الأحكام اليوم ، وبما لا يناقض صراحة النصوص الشرعية .

وأقول والله أعلم  : يجب إخراج الزكاة اليوم من جميع الثمار والزروع ، لأدلة كثيرة ، أهمها :

1 – الأخذ بالمذهب القديم للشافعي رحمه الله تعالى ، وهذا ليس بدعاً من القول ، فقد اتفق فقهاء المذهب الشافعي على ترجيح القول القديم للشافعي في بضع عشرة مسألة ، واتفقوا على وجوب الفتوى بها ، وترجيحها في الاعتماد والقضاء ، فلا مانع من الزيادة عليها للاعتبارات الآتية .

2 – إن أخذ الزكاة من جميع الزروع والثمار هو المعتمد في المذهب الحنفي ، لقوله تعالى : " أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض " البقرة / 267 ، والآية تشمل الصدقة من كل ما يخرج من الأرض ، ولا مانع من الأخذ به أو تقليده .

3 – مراعاة حق الفقراء والمساكين ، لما يرون من هذه الزروع والثمار في الحياة عملياً ، ويتمتع بها الأغنياء والمترفون ، و متوسطو الناس الذين يخالطونهم ، ويرون بأم أعينهم هذه الزروع والثمار في الأسواق والمولات والمحلات التجارية التي تنتشر في كل مكان ، وتثير الشهية في نفوسهم .

4 – لعل تحديد الرسول صلى الله عليه وسلم الأنواع السابقة في أحاديث أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما كانت بسبب وجودها حصراً وغالباً في الحجاز ومكة والمدينة ، وأن غيرها كانت قليلة وغير متداولة بين الناس عامة والفقراء خاصة ، وأن بقية الخضروات والزروع كانت قليلة القيمة في الحياة والاقتصاد والتجارة والأسواق ، وبدليل تعدد الروايات بين التمر ، والثمر الذي يشمل جميع الثمار .

أما الآن فيختلف الوضع مئة بالمئة ، ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ، فالزيتون مثلاً في بلاد الشام وشمال أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط ، لا يقل أهمية وثمناً وغذاء عن التمر في الحجاز ، وقل مثل ذلك في الموز ، وفي جوز الهند ، وفي التفاح والبرتقال وسائر الفواكه ، ويقال الأمر نفسه في أنواع الزروع والخضروات ، وحدث ولا حرج ، والواقع يشهد بذلك ، والأسواق والمطاعم تزخر بها ، وكلها تحت أعين الفقراء والمساكين ، ثم يأتي الأطباء لتقديم النصائح للتغذية ، وخاصة للصغار، للحصول على الفيتامينات  والأطعمة المغذية ، فأين مكان الفقراء والمساكين من هذا الواقع كله ؟؟؟

ولذا أرجح وجوب أداء الزكاة في جميع المنتوجات الزراعية والمحاصيل التي ورد بعضها في السؤال ، وجميع المأكولات البحرية ، مع إضافة مهمة ، وهي أن جميع الزروع والخضروات والثمار والأسماك ، تلعب دورأ هائلاً في التجارة المحلية والخارجية والعالمية ، وأن التجار يؤدون عنها الزكاة باتفاق المذاهب ، فلا يقبل أن يعفى الفلاحون والمنتجون والصيادون من زكاتها ؟؟؟ بل أصبحت الشركات الكبيرة تتولى الاستثمار في المزارع والحقول والبساتين الواسعة ، وإن بوارج وسفن صيد الأسماك تمخر البحار ، وتتنافس عليها الدول والشركات حتى تصل للحرب ، فأين تذهب هذه الأموال ؟؟ وأين نصيب الفقراء والمساكين منها؟ وحتى الدول تفرض عليها الضرائب والرسوم .

5 – إن الفقهاء القدماء في المذهب الشافعي لم يقفوا عند الأنواع التي وردت حصراً في الأحاديث الشريفة ، ولم يحصروا الزكاة فيها ، بل أضافوا أنواعاً كثيرة ، وأصنافاً متعددة زيادة عما سبق ، وأوجبوا فيها الزكاة قياساً على ما ورد فيه نص ، وكتبهم تشهد بذلك .

6 – إن التعليل السابق عند الشافعية لوجوب الزكاة في الأموال السابقة ، يتوفر ويتحقق اليوم في غيرها ، وهذه بعض عباراتهم ، " لأن ثمرة النخل والعنب تعظم منفعتها ، فهما من الأقوات الأساسية ، والأموال المدخرة التي تغذى بها الأجسام على الدوام "  وكل هذه المعاني تتوفر في كل ما تنتجه الأرض ، وقالوا:  " فالزكاة في المال المدخر من الثمار " وقد صارت جميع الثمار والخضروات تدخر ، وتحفظ لأشهر وسنوات ، والبرادات والثلاجات العملاقة تتوفر في كل بلد في العالم ، وقال الفقهاء بعدم الزكاة في بعض الحبوب والزروع والورود ، وعللوا ذلك بقولهم : " لأنه ليس بقوت ، فأشبه الخضروات التي لا تدخر" ، وهذا يتنافى مع الواقع الملموس اليوم ، لأن كل ما تنتجه الأرض اليوم يعد قوتاً ولو من الدرجة الثانية والثالثة ، والجميع يدخر اليوم ، بل قال فقهاء الشافعية : لا تجب الزكاة في العسل ؟؟؟ فهل  هذا يتفق مع الواقع اليوم ، وإنتاج العسل يغزو العالم ، ويتسابق فيه الأفراد والشركات والدول ، أما فوائده فلا تحتاج  إلى بيان ، ويكفي ما ورد فيه من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، مع مكانته التجارية .

7 – الاعتماد على القياس المقرر شرعاً في الفقه وأصول الفقه ، واعتمد عليه جماهير المسلمين في أبواب الفقه المتعددة .

أما النصاب الواجب لوجوب الزكاة ، فنحن أمام ثلاثة اختيارات ، الأول : الأخذ بما قرره الجمهور التزاماً بالنصوص السابقة ، وفيه تساهل على المزكي( 900 ليتر كيلاً أو 650 كغ وزناً ) ، الا ختيار الثاني: وهو قول المذهب الحنفي ، بعدم اعتبار النصاب نهائياً في الزروع والثمار ، وفيه تشدد على المزكي ، لعدم ثبوت أحاديث النصاب عندهم ، ولعموم الآية السابقة التي وردت قبل قليل ، والاختيار الثالث ، وهو وسط بين الرأيين السابقين ،وأسهل في التطبيق  والحياة على المزكين والفقراء ، وهو ما أرجحه ، وهو اعتبار نصاب الذهب والنقد الذي ذكرناه سابقاً ، بحيث يقدر نصاب الزكاة من ثمن المنتجات ، أو بتقدير أثمانها ، ويدفع المزكي  إما بالنقد ، وإما ما يساوي النصاب من الإنتاج ، وهنا نكرر عبارة الإمام النووي عندما يجتهد أو يرجح ، فيقول : " والله أعلم " .

وإلى هنا نتوقف مع المسائل التي وردت في نوازل الزكاة ، وإن الحبل على الجرار ، لأن الزكاة لا تزال تتبوأ القمة في أحكامها ، ووظيفتها ، وأهدافها ، وقبولها المزيد والنوازل الجديدة والاجتهاد ، وهي مما يحتاجه المسلمون في هذا العصر ، وفي قادمات الأيام ، ونسأل الله التوفيق والسداد ، والحمد لله رب العالمين ، لننتقل إلى نوازل المعاملات ، والله ولي التوفيق .

تاريخ النشر بالميلادي 2019/10/29

المفتي


الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزُحَيلي

الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزُحَيلي

السيرة الذاتية
المحتوى الخاص به