العقيدة الإسلامية - العقيدة - الإيمان و التوحيد - شبهات
رقم الفتوى 11844
نص السؤال مختصر

خص الله القرآن الكريم بالحفظ من التحريف، أما كتب الحديث بالأخص الصحيحان فمن تأليف البشر ولهم أجر الاجتهاد لكنهم قد يخطؤون، لذلك تكون في كتبهم أحاديث ضعيفة أو موضوعة، وأنا أتعجب من بعض الذين ينكرون وجود أي خطأ في هذه الكتب، فهل من توضيح فيما يخص ذلك ؟

نص السؤال الكامل
الجواب مختصر
الجواب الكامل

بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد :
فقد أجمعت الأمة أنه سوى الأنبياء لا عصمة لهم، كما أجمعت على أن صحيحي البخاري ومسلم أصح كتابين بعد كتاب الله تعالى.
وقد توعد الله بحفظ القرآن بقوله : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : 9]، ولا يتم حفظ القرآن إلا بحفظ السنة، إذ هي المبينة له، وبدونها لا يستقيم فهمه ولا العمل به، قال صلى الله عليه وسلم : أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ.
وقال عليه الصلاة والسلام :أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، فَيَقُولُ : بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالًا اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ.
وقال تعالى :{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم : 3-4]

وليست العبرة في عصمة المحدث إنما في منهجه، ومنهج المحدثين دقيق محكم، ومنه علمنا الحديث الصحيح من الضعيف.
وقد اتفق المحدثون على ما وضعه البخاري ومسلم في صحيحيهما، إلا بعض الأحاديث التي نازع بها بعض المحدثين.
وقد سُئل الشريف حاتم العوني عن سبب اختلاف حكم المحدثين فيما بينهم على بعض الأحاديث مع كون المنهج واحد، فقيل له :
بما أن منهج المحدثين واحد بالإجماع ألا يلزم منه توحد ضوابط الجرح والتعديل لتأثيره البالغ في حكم المحدثين ؟
فأجاب الشريف :
[ اتقاقهم في أصول علمهم لا في فروعه ، والأصل هنا هو اشتراط العدالة ، ورد رواية غير العدل .
والاختلاف في أمر : هل هو جارح أم لا : هذا أمر فرعي ، والفروع يقع فيها الاختلاف مع الاتفاق في الأصول .
فمثلا : شرب النبيذ على مذهب أهل الكوفة ، هذه مسألة فرعية ، فمن المحدثين من كان يجرح بها مطلقاً ، لأن النبيذ عنده خمر ، ومنهم من لا يجرح بها مطلقاُ لأنها عنده ليست خمراً كعموم محدثي الكوفة (كالثوري) ومن وافقهم ، ومنهم من فصّل ، كوكيع بن الجراح الذي قال : «إذا رأيت البصري يشرب النبيذ: فاتهمه، وإذا رأيت الكوفي يشربه : فلا تتهمه» ؛ لأن البصري يشربه على أنه خمر محرم ، والكوفي يشربه على أنه شراب مباح] انتهى.

وقد سُئل أخرى :
قلت فضيلتك إن الحفظ نوعان، ألا يدخل فيه ما ليس منه وألا يخرج منه ماهو فيه.
وأن لا تكون هناك سنن لم تُنقل.
أنا كمسلم أُسلّم بهذه الأدلة بفضل الله وأعلم أن المحدثين نقلوا لنا كل تحركاته صلى الله عليه وسلم، ولكن ما الدليل العملي على أنه لم تتفلت سنة ما ؟
الاستفسار الثاني : عند تصحيح أحد المحدثين لحديث ما، وتضيف آخر له، ألا يكون بالمحصلّة أحدهما قد أخرج سنة ثابتة أو أدخل سنة غير ثابتة ؟

فأجاب الشريف :
الجواب عن السؤال الأول :
أولا : ماذا نقصد بعدم تفلت شيء ؟ لا نقصد أن كل قول أو فعل قد نُقل ، ولكننا نقصد أن كل قول أو فعل أو إقرار لا يتم حفظ الدين إلا به هو الذي قد نُقل ، ولا نشك بعد ذلك بعدم نقل شيء كثير من الأقوال والأفعال والإقرارات يتم حفظ الدين بما يقوم مقامها في بلاغ الدين . ودليل ذلك : هي أدلة حفظ الدين القطعية ، وأنه الدين الخاتم .
ثانيا : لا يلزم للإثبات وجود دليل عملي ، مع وجود الدليل القطعي من الوحي على حفظ الدين ، عند من آمن بالوحي . ومن لم يؤمن يجب أن نبدأ معه في إثبات الوحي ، بدءاً بوجود الله تعالى ، إلى إثبات النبوات ، إلى إثبات نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) . ثم بعد ذلك نحتج عليه بالوحي على عدم ضياع شيء من السنة .
ثالثا : الدليل العملي موجود ، لكنه هو علوم السنة (في روايتها ودرايتها) ، وواقع عناية الأمة بها ، منذ جيل الصحابة حتى العصر الحديث . فهو واقع عملي يقطع بحفظ السنة ، لكن الإقرار به يحتاج علماً واطلاعاً واسعاً على علوم السنة ، وهذا ليس في مقدور كل أحد ؛ إلا على العلماء والباحثين الجادين والمنصفين .
أما الجواب على السؤال الثاني :
كما نقول عن الدين إنه محفوظ رغم اختلاف الفقهاء في الأحكام نقول ذلك هنا ، ذلك أن الاختلاف في الجزئيات الفرعية لا يعارض حفظ الأصول ، ولا يعارض وجود طريقة للوصول للأرجح في الفرعيات ، وهي (أي : الفرعيات) قد شاء الله أنه يُكتفى فيها بغلبة الظن .
وكما نقول عن القرآن الكريم إنه محفوظ رغم الاختلاف في قرآنية البسملة في فاتحة الكتاب ، وكما خالف بعض العلماء في تصحيح قراءات من القراءات المتواترة ، لم يقدح شيء من ذلك في قطعية حفظ القرآن ويقينيته ؛ لأنه اختلاف لا يقدح في يقينية اليقيني .
فالاختلاف في التصحيح والتضعيف للسنة سيكون مانعاً من دعوى الحفظ لو كان الاختلاف المعتبر فيها واقعاً في أحاديث تنبني عليها أصولٌ من أصول الدين ، أما إن كان منتهى الأمر اختلافاً في الظنيات ، فلن تختلف حينئذ عن الاختلاف الفقهي في فروع الدين الظنية .
كما أن الاختلاف في التصحيح والتضعيف للسنة لم يقع مع انقطاع الأمل في معرفة الراجح في الحكم على الحديث ، فلو كان واقعاً مع فقدان وسيلة الترجيح لصح اعتباره سبباً لعدم القدرة على التمييز .
كما أن الاختلاف في التصحيح والتضعيف للسنة لم يقع بسبب اختلاف قواعد النقد (على الصحيح المقطوع به) ؛ إذ لو كان الاختلاف في منهج القبول ، لضاعت السنة بين مناهج النقد التي يعد بعضُها الحديث صحيحاً ويعده بعضها الآخر ضعيفاً .
أما مع الاتفاق على منهج النقد (وهو الصحيح المقطوع به) ، فهذا يعني أن المختلفين سيتفقون لو اطلعوا جميعاً على معطيات الحكم الجزئية واتفقوا على أوزانها ، كاتفاق الفقهاء لو اطلعوا على أدلة بعضهم وعلى وجه الاستدلال ووزنه ضمن الأدلة المتعارضة .
واتفاق الأئمة على منهج القبول هو ما كنتُ قد قررته في عدد من المحاضرات المنشورة ، وأثبتُّه بعدد من الأدلة ، ورددت على دعاوى الاختلاف فيه وأدلتها. انتهى.

وهذا بحث له ذكر فيه الأدلة القطعية على حفظ السنة النبوية لمن أراد التثبت :
http://www.al-ghofran.com/book-single.php?id=108

والله تعالى أعلم.

تاريخ النشر بالميلادي 2019/10/16

المفتي


الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزُحَيلي

الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزُحَيلي

السيرة الذاتية
المحتوى الخاص به