العقيدة الإسلامية - العقيدة - الإيمان و التوحيد - الملل و النحل
رقم الفتوى 10101
نص السؤال مختصر

من هم الشيعة ؟

نص السؤال الكامل

 نعيش اليوم أحداثاً جسيمة ، ونسمع كثيراً عن الشيعة ودورهم في الأخبار العالمية ، ولايعرف معظمنا ، وخاصة الشباب والجيل الجديد ، شيئاً عن الشيعة ، فنرجو البيان ما أمكن ؟

الجواب مختصر
الجواب الكامل

بسم الله ، والحمدلله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد : 

مقدمة :

فإن الجواب باختصار شديد يتناول أربعة جوانب ، ولا يمكن التفصيل في ذلك ، لأن الشيعة ظهرت منذ ألف وأربعمئة سنة ، ولعبت دوراً بارزاً وكبيراً في التاريخ الإسلامي والفكر الديني ومجريات الأمور ، وتعني حب علي والاتفاف حوله والتضحية والدفاع عنه وتفضيله المطلق على غيره ، وهي عدة طوائف تصل إلى العشرات ، وهي على درجات متفاوتة جدا ً يصل بعضها إلى الكفر البواح كالسبئية وغيرها ، وقد انقرض معظم الفئات المتطرفة ،ولكن أعدلها وأقربها للحق والصواب الزيدية في اليمن ، ومن الشيعة الفاطميون قديماً ، والإسماعلية ( وتسمى السبعية ، ولهم سبع أئمة بالعقيدة فقط ) ومقرها في السلمية بسورية ، ومنهم فئات في فلسطين المحتلة ، ويتعاونون مع العدو المحتل ، ومنهم فرقة بالهند ، بالإضافة للنصيرية ( العلويين ) بسورية ، وأهم فرق الشيعة المعاصرة الشيعة الجعفرية ( نسبة لإمامهم بالفقه جعفر الصادق ، وهو أحد أئمتهم ) ويعرفون بالإثنى عشرية ( بالنسبة لعدد الأئمة 12 ، وآخرهم الثاني عشر الذي اختفى بالجبل ، وينتظرون عودته منذ أكثر من ألف سنة ، واخترعوا اليوم ولاية الفقيه ليحل محله )، ويسمون بالإمامية ، وهم المنتشرون  اليوم في إيران والعراق ولبنان وفي أطراف العالم ،وهم وسط بين الغلو والاعتدال ، ويقيمون الدولة الشيعية الكبرى اليوم ، ويلعبون الدور الكبير في السياسة العالمية ، وبينهم اختلاف شديد بين الشيعة العرب والشيعة الفرس ، وبين النجف وقم ، وفي العرق وإيران ، وفي لبنان مع العلامة علي الأمين  وغيره ، كما يوجد اختلاف بين الطوائف الشيعية أنفسهم ، وقد يصل للتكفير ، ولذلك نقتصر على بعض الأضواء على الشيعة الأخيرة في الجوانب التالية :

أولاً :

المكان والجغرافية : إن إيران ، وفارس قديماً ، من أجمل بقاع العالم ، وأكثرها حضارة ، وفيها الخيرات الكثيرة ، والنفائس والجواهر ، وشعبها عريق وأصيل ، ومعظمه مسلمون منذ العصر الراشدي،  وأكثرهم  من أهل السنة والجماعة ، وشافعية  وحنفية ، وفيها أعراق وجنسيات متعددة ، وأنجبت فارس وإيران علماء وفقهاء في جميع العلوم الإسلامية والعربية أكثر من جزيرة العرب ، حتى سيطر عليها الصفوية الفرس في القرن التاسع عشر الميلادي ،  وأعلنوها دولة شيعية ، وسعوا إلى نشر المذهب الشيعي حتى صار أغلبية ، والشعب في معظمه طيب ومتدين ، ومفكر ومثقف ، وعندهم كتب عربية ومخطوطات كثيرة جداً ونفيسة ، والبلاد جميلة ، وفيها الآثار الخالدة ، والمساجد ، والمكتبات ، والمدارس والجامعات ، وغير ذلك مما يعجز وصفه .

ثانياً :

المذهب الفقهي : يعتمد الشيعة الإثنا عشرية المذهب الفقهي الجعفري الذي أسسه جعفر الصادق رحمه الله تعالى ( 80 – 148 هـ )( وهو أبو عبد الله جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب رحمهم الله تعالى ) وهو سادس الأئمة الإثنى عشر عند الإمامية ، وهو أحد أجلاء التابعين ، وله منزلة رفيعة في العلم بالقرآن والحديث والفقه والكيمياء ، وأخذ عنه خلق كثير كأبي حنيفة ومالك ، وهو إمام المذهب الجعفري في الفقه ، وإليه ينسب حتى اليوم.، وكان سيد بني هاشم، ومن سادات أهل البيت ، وكانت أمه من نسل محمد بن أبي بكر الصديق ، وأم أمه من نسل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، ولذلك كان يقول ولدني أبو بكر الصديق مرتين ، وكان جريئاً بالحق ، وله أخبار طريفة مع خلفاء بني العباس ، توفي بالمدينة المنورة ، ودفن بالبقيع .

ومذهب الشيعة الفقهي الجعفري معتدل ، وهو قريب من المذهب الحنفي ، ولا يخالف كثيرأ مذاهب أهل السنة الفقهية ، والخلاف معه كبقية الخلاف بين المذاهب الفقهية ، ولذلك يعد أحد المذاهب الفقهية المعتبرة اليوم ، ولا يوجد أية مشاكل بينه وبين بقية المذاهب في الأحكام الشرعية العملية ، وله كتبه المعتمدة في الفقه ، عدا الكتب التي فيها غلو وتطرف وتشدد ، ويستغلها أتباعهم ومخالفوهم .

ثالثاً :

الجانب الاعتقادي : يعتقدون بعقائد الإسلام ، ويضيفون عليها عقيدة الإمامة ، وعدَوها الركن السادس في الإسلام ، ولذلك يسمون بالإمامية ، ومن هنا بدأ الانحراف ، والطامة الكبرى ؛ لأنهم فسروا الإمامة بأنها منصوص عليها في السنة النبوية ، وأنها لعلي رضي الله عنه حصراً ، وبنوا عليها المبادئ الخطيرة في الدين ، منها : أن خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما باطلة ، وأنهما اغتصبوها من علي رضي الله عنهما ، وأن معظم الصحابة ضالون ومنحرفون،  لأنهم وافقوا على خلافة أبي بكر وعمر ثم عثمان رضي الله عنهم ، بل اعتبروأ الصحابة مرتدين ، إلاعدداً قليلاً منهم ، وبدؤوا بلعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وسموهما بصنمي قريش ، وفسروا سكوت علي والحسن والحسين رضي الله عنهم عن خلافة  أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، والتعاون معهم بالتقية ، وهي اختراع لعقيدة جديدة في الدين ، ويطبقونها حتى اليوم في حياتهم ، ومعناها إظهار شيئ ،وإبطان غيره لتأمين السلامة للنفس ، وهي تساوي النفاق بإظهار الإسلام وإخفاء الكفر ، ثم نالوا من السيدة عائشة رضي الله عنها بالتهم والشتم القبيحين مما لا يليق بمسلم عادي ، وهي أم المؤمنين ، ونزلت طهارتها من السماء في القرآن العظيم ، وأولوا آيات القرآن الكريم الواردة في ذلك بتأويلات باطلة ، ( وهذا رأي الأكثرين من الشيعة الآمامية ، وخاصة الغلاة  والعوام وعامة الشعب الشيعي ، إلا بعض العقلاء والمعتدلين ، فإنهم يتبروؤن من ذلك  وينكرونه ) ، ونتج عن طعنهم بالصحابة إنكار جميع الأحاديث الشريفة التي رووها ، بل لم يقبلوا حديثاً نبوياً إلا إذا رواه أحد الأئمة الإثنا عشر ، كما عدوا الأئمة الإثنى عشر معصومين كالأنبياء ، بل زاد بعضهم بأنهم أفضل من الأنبياء ، وزادوا في تعظيم سيدنا علي رضي الله عنه ، ورفع شأنه بشكل مفرط ومتطرف ، وأوجبوا على جميع المسلمين الالتفاف حوله ، ولذلك سموا شيعة علي رضي الله عنه ، وإلا نفوا الإيمان عن الباقين ، فهم مسلمون فقط  ـ والأدهى من ذلك أنهم يناصبونهم العداء والكره ، ويعلنون انعزالهم عن سائر المسلمين في العالم .

 وزاد الطين بلة ، وتضاعف الحقد والضغائن بمقتل سيدنا الحسين بن علي ، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنه ، وذلك في عهد بني أمية ، في خلافة يزيد رضي الله عنه ، في كربلاء سنة 64 هـ  ، واشتعلت النار ، وازدادت  النقمة على الأمويين ، وعلى كل من كان معهم ، وامتد الحقد والطعن بكل من كان في زمنهم ولم يلعنهم ويتبرأ منهم ، وتحميل سائر المسلمين حتى اليوم المسؤولية عن ذلك وأثار الشيعة الإمامية الثورات ، ولطم الوجوه ، وشق الرؤوس ، وإسالة الدماء ، حزناً على أبي عبد الله الحسين  رضي الله عنه ، وإعلان طلب الانتقام له حتى من مسلمي الوقت الحاضر ، وسموه سيد الشهداء ، ( ونسوا بشكل كامل بقية الشهداء قبله ، وأهمهم حمزة عم النبي ، وجعفر بن أبي طالب ، والإمام علي نفسه ) ، ولا يزالون يؤججون الأحقاد والأحزان واللطم وإسالة الدماء والمظاهرات كل عام حتى يومنا الحاضر في ذكرى مقتل الحسين ،  وقد أصدر قائد الثورة الإسلامية في إيران ، وعدد من آيات الله عند الشيعة ، النهي والتحذير من هذه العادات الشنيعة ، ولكن بقية علمائهم  وعوامهم مستمرون على ذلك  ، ويحملون راية الحسين وآل البيت ورموزهم عالياً ، وكأنهم مختصيَن بهم دون سائر المسلمين ، ويرفعون شعارات يا حسين ، ويا زينب ، وجعلوا من كربلاء أرضاً مقدسة ، ويحجون إليها ، ويتبركون بتربتها ، والآن يسعى الإيرانيون نقل هذه المقدسات إلى مدينة قم بفارس التي يعتبرونها مقدسة ، ويحصر الشيعة دعوتهم ونشاطهم بين المسلمين حصراً ، ولا يبلغون الإسلام لسائر شعوب العالم نهائياً .

رابعاً الجانب السياسي :

وهنا طامة الطامات ،  طوال التاريخ ، وخاصة بعد قيام الدولة الصفوية في القرن التاسع عشر الميلادي، وبشكل أخص بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران  عام 1979 م ، فقد تبنت المذهب الشيعي رسمياً ، وأعلنت تصدير الثورة إلى العالم العربي  والإسلامي ، وهوما نشير إليه باختصار شديد جداً جداً ، مع الحساسية العظمى من تناول السياسة في هذا العصر المعقد ، وأن معظم البلاد العربية والإسلامية ترضخ تحت الاستعمار الفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي ، وكأنها احجار شطرنج ، وتتلقى التوجيهات من الشرق والغرب ( بما يعرف بلعبة الأمم ) ، وتفرض قوتها على الشعب بالعسكر وأجهزة الأمن المحلية والعالمية .

والآن ازداد نفوذ الشيعة في العالم ، وتتبنى إيران نشر المذهب الشيعي والسياسات التي تعمل لها ، وخاصة بين المسلمين السنة ، وفي البلاد العربية والإسلامية ، وتسخر طاقاتها المادية والنفطية   التي تحرم منها شعبها البائس ، وتستخدم الأحداث التاريخية لذلك ، علماً بأنه يوجد مئة شك واتهام  وإشارة استفهام وشبهة لقيام الثورة أصلاً . وعلاقاتها المشبوهة مع الدول الكبرى ، وأمريكا بالذات ، والتواطؤات السرية ، والاكتفاء برفع الشعارات الخادعة ، والمتاجرة بقضية فلسطين والقدس ، وإقامة الكيانات المشبوهة ، والأحزاب الموالية لها سراً وعلناً ، ودعمها مالياً وسياسياً لتمزيق الصفوف ، وإثارة النعرات ، والانقسامات والحروب الأهلية ، وإثارة الدماء بين الأفراد والجماعات ، واللعب على الحبال ، وعقد الصفقات السرية مع الدول الكبرى ، ونشير إلى مساعدتها الكبيرة لأمريكا لاحتلال أفغانستان  ، ودورها المدمر المشبوه مع أمريكا لاحتلال العراق ، ونزيف الدماء المتدفق فيه على السنَة بالذات ، وتسليم السلطة للشيعة ، واعتبارهم الأكثرية والأغلبية في كل شيئ  ، ودعم بقاء المحتل الأمريكي للعراق ، ثم التمدد منه إلى لبنان وسورية واليمن والبحرين والسعودية ، مع التحرك إلى باكستان والهند ، وإلى مصر والسودان والمغرب والجزائر ، حتى صارت إيران كالأخطبوط في العالم ، وتعجز عليها الدول الكبرى ، لتواطؤها السري مع الولايات المتحدة ، والقوى الكامنة السرية في العالم، مما لايمكن تفسيره ، ولا قبوله ، وأنها تعقد أعظم صفقة ومؤامرة في التاريخ مع الغرب للحرب الهادئة والمدمرة للإسلام والمسلمين .

 الخاتمة :

وينحصر دورنا في التوعية ، والتنبيه ، والتحذير ، وتأمين المناعة الكافية لأولادنا ولشعبنا المقهور المضطهد المسكين المغلوب على أمره ، والمجرد من كل عون ، وبيان الحقائق بهدوء وتعقل ، وبدون تعصب أو إثارة للأحقاد والعداوات والنزاعات ، وحسن الأخلاق والتعاون الاجتماعي معهم .

ولكن ثقتنا بالله تعالى قوية ، وأن الباطل له جولة ، ثم يزول ، لقوله تعالى : " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " الرعد / 16 ، وأن الباطل له جولة وللحق جولات ، وهو ما حصل وتكرر في التاريخ الإسلامي عدة مرات مع طوائف الشيعة ، وعاد الحق إلى نصابه ، وارتفعت رايات الحق لأهل السنة والجماعة ، وبقيت جماعة المسلمين المؤمنين ظاهرة ومظفرة بإذن الله تعالى ، مع اعترافنا بفضل فارس في التاريخ والتراث الإسلامي والثقافة الإسلامية ، وقبول التعايش الكامل مع الفقه الجعفري الإمامي الذي يعد المذهب الفقهي الخامس، مع تجرده عن الجانب العقدي والجانب السياسي ، ومع الاعتراف الكامل والفضل التام لسيدنا علي وفاطمة الزهراء والحسن والحسين وجميع آل البيت والأئمة الأطهار ، وحرصنا على الولاء والمودة لآل البيت حتى وقتنا الحاضر، وإلى أن تقوم الساعة .

والله تعالى أعلم 

تاريخ النشر بالميلادي 2018/11/11

المفتي


الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزُحَيلي

الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزُحَيلي

السيرة الذاتية
المحتوى الخاص به